محمد متولي الشعراوي
1166
تفسير الشعراوي
وقد عرفنا النفقة من قبل ، فما هي مسألة النذر ؟ . إن النذر هو أن تلزم نفسك بشئ من جنس ما شرع اللّه فوق ما أوجب اللّه . فإذا نذرت أن تصلى للّه كل ليلة عددا من الركعات فهذا نذر من جنس ما شرع اللّه ؛ لأن اللّه قد شرع الصلاة وفرضها خمسة فروض ، فإن نذرت فوق ما فرضه اللّه فهذا هو النذر . ويقال في الذي ينذر شيئا من جنس ما شرع اللّه فوق ما فرضه اللّه : إن هذا دليل على أن العبادة قد حلت له ، فأحبها وعشقها ، ودليل على أنه قارب أن يعرف قدر ربه ؛ وأن ربه يستحق منه فوق ما افترضه عليه ، فكأن اللّه في افتراضه كان رحيما بنا ، لأنه لو فرض ما يستحقه منا لما استطاع واحد أن يفي بحق اللّه . إذن فعندما تنذر أيها العبد المؤمن نذرا ، فإنك تلزم نفسك بشئ من جنس ما شرع اللّه لك فوق ما فرض اللّه عليك . وأنت مخير أن تقبل على نذر ما ، أو لا تقبل . لكن إن نطقت بنذر فقد لزم . لماذا ؟ لأنك ألزمت نفسك به . ولذلك فمن التعقل ألا يورط الإنسان نفسه ويسرف في النذر ، لأنه في ساعة الأداء قد لا يقدر عليه . وأهل القرب من اللّه يقولون لمن يخل بالنذر بعد أن نذر : هل جربت ربك فلم تجده أهلا لاستمرار الود . وليس فينا من يجرؤ على ذلك ؛ لأن اللّه أهل لعميق الود . ولهذا فمن الأفضل أن يتريث الإنسان قبل أن ينذر شيئا . ونقف الآن عند تذييل الآية : « وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ » . إن الظالمين هم من ظلموا أنفسهم ؛ لأن الحق عرفنا أن ظلم الإنسان إنما يكون لنفسه ، وقال لنا : إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( 44 ) ( سورة يونس ) ومن أشد الظلم للنفس الإنفاق رياء ، أو الإنفاق في المعاصي ، أو عدم الوفاء